بعد مضي
عام على بداية الانتفاضة في المدن المحتلة، اكتشفت القوات الأمنية المغربية خطورة
الشباب الصحراوي ودوره في التظاهر والنضال، فبدأت حملة عامة لإفراغ الإقليم منه.
كانوا يحشدون الشباب الصحراوي في أماكن مغلقة، ويقولون لهم:" ابتعدوا عن السياسة واتركوا الصحراء وافعلوا ما شئتم. خارج
الصحراء أنتم أحرار، نضمن لكم من الآن أن لا نلاحقكم، فحتى لو تاجرتم بالمخدرات
والبنات فلن تسأل عنكم الشرطة. أذهبوا إلى العمق المغربي أو حتى إذا أردتم الذهاب
إلى أسبانيا فالزوارق أمامكم. في أسبانيا تحصلون على الأوراق والعمل وكل شيء...
المهم ابتعدوا عن السياسة واطلبوا ما تحلمون به، فهاهي أوروبا أمامكم والزورق في
انتظاركم، ومن لا يتوفر على المال فهو رهن إشارته."
وحين
تنتهي خطابات الترغيب تبدأ خطابات الترهيب:" أما
إذا بقيتم هنا وقبض على أحدكم في الشارع فلن يعرف أي بحر سيبتلعه."
إن مثل
هذا الخطاب الرسمي الذي يعلن عنه رجال الأمن الرسميون يؤكد التورط المباشر للمملكة
في عمليات دفع الشباب الصحراوي إلى الهجرة للتخلص منهم.
والواقع
أن الكثير ممن تم تهديدهم بترك الإقليم ضاق بهم الأفق، وحاولوا الهروب من البطش،
ووفرت لهم الأجهزة الأمنية زوارق موت بالاتفاق مع المتاجرين بالمهاجرين. والذي لم
يدركه هؤلاء الأبرياء لحظتها هو أن تلك الزوارق كانت مفخخة. ففي الكثير من الحالات
كانت تلك الزوارق تنفجر حين تغطس في الماء. فمثلا بين شهري ( كتوبر- نوفمبر 2006م)
غرق حوالي 80 شابا صحراويا بسبب زوارق الموت المفخخة..
وحين لم
تستطيع القوات الأمنية المغربية السيطرة على الوضع، خاصة عمليات رفع الأعلام فوق
المباني التي أصبحت عادة يومية، فكرت في حظر دخول القماش الملون وقنينات الصباغة
إلى المنطقة، وهددت التجار الذين يبيعون هذا القماش الملون، وزرعت عيونها قرب
دكاكين الخياطين الصحراويين لمنعهم من خياطة الأعلام.
فخلال
مدة وجيزة أصبح شعب كله عرضة للإرهاب المخزني المتنوع الذي يهدف إلى تصفية كل من
تُشم فيه رائحة الوطنية الصحراوية. كان ما حدث لهم أشبه بما كان يحدث للسود من طرف
نظام الابارتيد العنصري في جنوب إفريقيا عندما كان البيض يحكمون، مع فرق واحد أن
ذاك الإرهاب كانت تقوم به أقلية، وهذا تقوم به أكثرية محتلة.
في بعض الحالات تعرض المعتقلون إلى أنواع من
التعذيب لا تخطر على بال بشري. هناك الكثير من المعتقلين من تم غطسه في بالوعات
الصرف الصحي التابعة للسجن حتى فقد الوعي، وهناك من تم وضعه أيضا في حوض من الماء
المتجمد أدى به إلى توقف الدم في عروق جسده ولم يعود له الوعي إلا بعد يومين. إنها
حالات غريبة فعلا، لكنها حقيقية ووقعت هكذا دون مبالغة، وأحيانا لا يستطيع الوصف
أن يأتي عليها لسوئها.
5-
العناد الحقوقي
ورغم
هذه الأعمال الفظيعة التي تحول الإنسان إلى كائن حي فقط بلا روح، لم يسكت
الحقوقيون عن ما يطالبون به. دخلوا معركة عناد قوية مع الاحتلال لدحر عنجهيته
وغطرسته.
منذ
انتفاضة سنة 92م والحقوقيون والمناضلون يحاولون الخروج من تحت شبكة الاحتلال
العنكبوتية التي تحيطهم. فمثلا في يوم 27 مارس 2003م، قامت مجموعة تتكون من خمسة
حقوقيين على رأسهم محمد ددش مرفقين بسبعة من أهالي ضحايا المختطفين بتكوين وفد
للمشاركة في ملتقى عالمي خاص بالمعتقلين الصحراويين في جنيف تحت شعار " حرية
وعدل للمختفين الصحراويين". وحين حضروا كل شيء دبر لهم الأمن المغربي عملية
"مافيوية" خسيسة. تركوهم حتى حصلوا على التأشيرات واشتروا التذاكر
بمبالغ كبيرة ثم اعتقلوهم في مطار الدار البيضاء. استحوذوا على كل شيء كان في
حوزتهم؛ جوازات السفر، التأشيرات وتقارير وأشرطة فيديو كانوا يريدون تقديمها
للملتقى.
حين
حدثت الانتفاضة الأخيرة بدأ الحقوقيون والمعتقلون يدخلون إضرابات مفتوحة عن الطعام
والنوم حتى يعلم بهم العالم ويقف إلى جانبهم في دفاعهم عن قضيتهم.
فابتداء
من 12 جويلية 2005م قامت قوات الاحتلال بعملية تطهير كبيرة في صفوف الحقوقيين
الصحراويين، واعتقلت الكثير منهم وزجت بهم في السجن لكحل. في نفس التاريخ تمت
محاكمة بعض المعتقلين عُرفوا باسم مجموعة الستة عشر، الذين حكم عليهم، دون محاكمة،
بالسجن لمدة تتراواح بين ثمانية وثلاثة سنوات.
ففي أول غشت 2005م، وخوفا من تجدد الغليان الشعبي الصحراوي المطالب بإطلاق
سراح الحقوقيين، أقدمت سلطات الاحتلال على نقل خمسة حقوقيين، ممن تعتبرهم الشرطة
قادة الانتفاضة، من السجن لكحل بالعيون
إلى داخل المغرب. عملية النقل حدثت في جو مشحون بالغضب الصحراوي، وبالمقابل استعملتها
الشرطة كي تنتقم منهم ومن قيادتهم للانتفاضة. شُحنوا في سيارات عسكرية في وضعية جد
سيئة: عيونهم معصبة وأيديهم في الأغلال وحولهم حراسة مشددة. تم توزيعهم بين سجن
ايت ملول وسجن عكاشة قرب الدار البيضاء.
في السجن بدأ المعتقلون إضرابهم المفتوح عن الطعام والنوم يوم 3 غشت 05م.
في العيون، وبالضبط من السجن لكحل، تجاوب معهم زملاؤهم المعتقلون هناك وبدؤوا هم
الآخرون إضرابا مثلهم عن الطعام. مع حلول يوم 8 غشت كان هناك حولي 39 معتقلا
يخوضون معركة الأمعاء الفارغة كشكل من أشكال المقاومة السلمية ضد الاحتلال.
لم تذهب
عملية إضرابهم عدما وعبثا. فابتداء من 22 غشت، حل وفد من المكتب المركزي للجمعية
المغربية لحقوق الإنسان بالعيون للوقوف على وضع المضربين عن الطعام الذي فاق
الثلاثة أسابيع وأصبح كارثيا. في الميدان، لم تترك قوات الاحتلال الوفد يزور السجن
والمستشفيات، أين يعالج الجرحى فعاد غاضبا. على مستوى عالمي، شنت منظمة العفو
الدولية حملة مراسلات مع الحكومة المغربية للنظر في قضية المضربين الذين أصبحوا
يحملون إلى قاعة المحاكمات بواسطة الشرطة بسبب عدم قدرتهم على حضور الجلسات. فمثلا حالة لحسن زريكنات المضرب عن الطعام الذي
تم حمله من السجن إلى المحاكمة لعدم قدرته على المشي، وهي حالة تحدث أول مرة في
التاريخ تقريبا. فلما حضر مغميا عليه، و رآه المحقق أمر بعودته إلى عائلته، لكن
ليس شفقة على حياته، إنما خوفا من أن يموت في السجن ويتحول إلى رمز أخر من رموز
النضال الصحراوي السلمي. في29 سبتمبر
2005م، بعد 59 يوما من الجوع توقف الإضراب
عن الطعام مؤقتا بعد أن حطم فاعلوه الرقم القياسي، ودخلوا التاريخ كونهم قاموا
به من أجل حق وطني.
في
الحقيقة لقد نجح الإضراب عن الطعام الذي خاضه المعتقلون، وأعطى للانتفاضة وسيلة
جديدة ناجعة تعتمد عليها كي تخترق حصار الاحتلال لها.
في وقت
لاحق أصبح الحقوقيون الصحراويون في المدن المحتلة أكثر جرأة من قبل؛ لم يبق نشاطهم
مقتصرا على المدن المحتلة والدول التي يستطيعون الوصول إليها؛ أصبحوا يزورون شعبهم
في مخيمات اللجوء، يشاركون في تخليد الذكريات معه، يُدعون إلى المؤتمرات والندوات،
ثم يعودون إلى المدن المحتلة ليواصلوا نضالهم هناك بكل شجاعة وتحدي، رغم ما حاول
الاحتلال أن يفعله بهم، خاصة مجموعة السبعة التي تم سجن أعضائها بعد عودتهم من
المخيمات في سنة 2009م. .
يرجى تسجيل تعليقات ذات قيمة حتى يمكن ادراجها في الموقع الإبتساماتإخفاء