بعد نُكت انبوب الغاز من نيجيريا، ونكتة شراء القبة الحديدية ونكتة تويتر ترامب الخاص بالصحراء الغربية، ونكتة الطلب الرسمي لعضوية دائمة في مجلس الأمن، وبقية النكت البائخة التي نسيناها لكثرتها، خرج المخزن بنكتة أخرى وهي نكتة مشروع "طريق الحرير الأطلسي" الذي يفتح طريقا "اقتصاديا" لفائدة دول وسط وصحراء إفريقيا نحو المحيط الأطلسي. لكن الأحداث والشبهات والتحاليل تقود إلى تفسير آخر مختلف تماما عن المشروع "الاقتصادي" الذي يغطي به المخزن مشروع الطعن تحت الحزام الموجه للجزائر. تذهب التحاليل السياسة، المبنية على معطيات، في اتجاه أن ما يسميه المخزن "طريق الحرير الأطلسي" ما هو إلا الاسم الجديد الناعم أو النسخة المعدلة لمخطط كان مُعدا قبله يمكن أن نسميه مخطط أو سيناريو حزام النار حول الجزائر. حين نربط ما حدث ويحدث على الأرض، في منطقة شمال غرب افريقيا، بمشروع "طريق الحرير الأطلسي" لا بد أن تتضح لنا تفاصيل البانوراما.
1- الجزائر ورفض التطبيع ورفض دخول الكيان الصهيوني إلى الاتحاد الأفريقي
تاريخيا، يَعتبر الكيان الصهيوني الجزائر هي حجر العثرة التي تقف عائقا في طريقه لولوج إفريقيا، وما لم يتم تحييد هذا البلد العنيد، بأي سيناريو، فلن ينجح التوغل الصهيوني في ادغال إفريقيا. فالجزائر هي التي منعت الكيان الصهيوني من الحصول على مقعد عضو مراقب في الاتحاد الإفريقي، وهي التي منعته من التغلغل في منطقة شمال غرب افريقيا، وهي التي تعلن دعمها للقضية الفلسطينية، وترفض أي نقاش حول التطبيع. بالنسبة للكيان الصهيوني، إذا تم تحييد الجزائر، بأية وسيلة كانت، ستصبح إفريقيا كلها في متناول هذا الكيان، خاصة بعد تحييد مصر والسودان وضرب ليبيا في الظهر. هذا يقود إلى أن الكيان الصهيوني سيظل يحاول، ولن يسكت أو يتوقف أو يتعب من التحرش بالجزائر حتى يقوم بتحييد صخرتها من طريقه، خاصة منذ وجد، جغرافيا وعاطفيا، نظاما وظيفيا- المخزن- له حدود مع الجزائر.
2- الحرب في الصحراء الغربية وقطع العلاقات مع المغرب وانقلاب المعادلة
فاجأ إعلان الجيش الصحراوي الحرب على المغرب كل المتتبعين للشأن الصحراوي، خاصة الذين كانوا يراهنون أن خيار الحرب تم استبعاده وإقباره نهائيا. أشهر بعد إعلان الحرب في الصحراء الغربية، استبقت الجزائر وجود مؤامرة ضدها يشترك فيها المغرب والكيان الصهيوني لتحييدها عن عرقلة تغلغل الكيان الصهيوني في إفريقيا. هذا المخطط الخبيث فرض على الجزائر وقف التعامل مع المغرب، والعودة بالعلاقات بين البلدين إلى وضعها سنة 1976م. عند هذه النقطة من تسارع الأحداث، انقلبت المعادلة؛ فالكيان الصهيوني الذي ورط المغرب وجعل منه منصة انطلاق وأرضية لتحييد الجزائر عن طريقه ليتغلغل في إفريقيا، وجد نفسه تحت النار ومحاصر وغارق، ويبحث عمن يمد له يد النجدة أو يطفئ عنه النار. هذا الوضع، فرض عليه أن يعود إلى حليفه وشريكه الكيان الصهيوني عله يجد له حلا. الحل، حسب التفكير الصهيوني، يحتاج إلى أموال ومنفذ، ويتمثل في خلق حزام من النار والحرب وعدم الاستقرار على الحدود الجنوبية للجزائر. تكلف الكيان الصهيوني بالتخطيط، والإمارات بالتمويل والمخزن بالتنفيذ. جوهر هذا المخطط هو ضرب الاستقرار الذي تنعم به الجزائر، ومحاولة إنهاك جيشها وفرض عليه حرب على حدود طولها آلاف الكيلومترات لتنشغل الجزائر بنفسها وتترك عنها الكيان الصهيوني يتغلغل في إفريقيا. من جهة أخرى، يعتقد الكيان الصهيوني وحليفه المخزن أن التسريع بتنفيذ مخطط حزام النار في جنوب الجزائر من شأنه أن يوقف دعم هذه الأخيرة لجبهة البوليساريو فتوقف استنزافها للمغرب وحربها ضده.
3- الجزائر تخترق حزام النار
تفطنت الجزائر، منذ البداية، إلى وجود مخطط حزام النار حولها وفضحته وتحركت لإفشاله على محورين: محور إعلامي، تمثل في شن الصحافة الجزائرية هجوما استباقيا على ثلاثي الشر المذكور أعلاه مذكرةً اياه أن مخططه مكشوف وسيفشل؛ ومحور عملياتي عسكري بتشديد الحراسة على طول الحدود لتفادي أي محاولة يمكن أن تأتي من المكان الذي يُعتقد أن النار يمكن أن يصل صهدها منه. استباق الجزائر للأحداث وفضحها للمخطط، جعل المشاركين فيه يلجؤون إلى سيناريو ثاني ناعم مستعجل، وهو تسمية خط النار تسمية رومانسية هي: "مخطط طريق الحرير الأطلسي" .
4- سيناريو "طريق الحرير عبر الأطلسي".
بعد كشف سيناريو حزام النار وعدم الاستقرار، تم تغيير اسم السيناريو وإعطائه اسما ناعما رومانسيا هو "طريق الحرير عبر الاطلسي"، لكن مع بقاء الجوهر كما هو. بدأ المخطط الجديد من استدعاء ملك المخزن إلى الإمارات وتسليمه شيكا بمبلغ 15 مليون دولار، وتم طلبُ منه ان يبدأ تنفيذ مخطط حزام النار على مراحل: الأولى، تشويه الجزائر وخلق شرخ بينها والدول المجاورة لها جنوبا؛ الثانية إشعال النار وتجنيد مجموعات قبلية وعرقية لضرب الجزائر انطلاقا من شمال مالي والنيجر. في نفس الزيارة تم الضغط على موريتانيا وإغرائها، وحين رفضت خوفا من ثورة يقوم بها شعبها، تم استدعاءها للمشاركة، لكنها اعتبرت ذلك نوعا من توريطها ضد جيرانها الجزائر والصحراء الغربية فامتنعت عن الحضور.
بعد أن فقدَ مخطط حزام النار عامل المفاجأة، وعامل حماس بعض الدول للمشاركة فيه، خوفا من نتائج عكسية، مثل موريتانيا والسينغال، تم الإعلان عنه في صيغته الجديدة في مراكش(عاصمة المخططات الخبيثة) تحت اسم "طريق الحرير عبر الاطلسي" ودعا إليه المنفذ- المخزن- أربع دول فقيرة هي تشاد، النيجر، مالي وبوركينا فاسو. الدول التي تم استدعاؤها للمشاركة في المشروع لها تماس مع حدود الجزائر(مالي والنيجر) أو قريبة منها(تشاد بوركينا فاسو)، وتستطيع أن تساهم في إشعال النار. إذا حاولنا التمعن في هذا المشروع نجد أنه أقرب إلى مخطط لمحاولة محاصرة الجزائر منه لمشروع اقتصادي واعي. كيف ستستفيد دولة مثل تشاد لا تعرف أين يوجد المحيط الأطلسي من هذا المشروع، وكيف ستولج النيجر أو مالي إلى هذا المشروع، هي دول لا تعرف ماهي السفن، وتفصلها عن المحيط الأطلسي آلاف الكيلومترات. إذن، المشروع هو مجرد مناورة فاشلة، والدول التي قاطعته مثل موريتانيا والسينغال، التي كان يفترض أنها ستكون أكبر المستفيدين منه، أفشلت الخطة وأظهرت أنه مخطط سياسي خبيث وليس مخطط اقتصادي مفيد. بعد رفض موريتانيا المساهمة في مشروع طريق الحرير المذكور، سيصبح العبء في تنفيذه على دولتين لهما حدود مع الجزائر هما مالي والنيجر، وبدرجة اقل تشاد وبوركينا فاسو، وهذا ما يجعل الملاحظين لا يستغربون أن تقوم مالي باستدعاء سفير الجزائر في اليوم الموالي.
لكن كيف ستخلق مالي والنيجر حزاما ناريا على حدود الجزائر؟ شمال مالي والنيجر هو، تاريخا، مناطق خارجة عن السيطرة، واستغله المغرب في مناسبات عديدة بالنفخ في نار الارهاب، وبتكوين جماعات إسلامية ارهابية بأسماء مختلفة، وهي جماعات نائمة يوقظها المخزن متى أراد. بالإضافة إلى إيقاظ المجموعات الإرهابية النائمة، سيتم تحريك ورشوة المجموعات القبلية والعرقية في تلك المناطق وتهييجها ضد الجزائر، وفتح مطارات لتفريغ المخدرات في شمال مالي، وتسليح مجموعات المرتزقة.
يد فرنسا في المشروع
القاعدة التي أصبحت ثابتة في كل ما يحدث في شمال غرب إفريقيا، خاصة إذا كانت له علاقة بالجزائر أو يحاول النيل منها، لا بد أن تكون فيه يد خفية أو ظاهرة لفرنسا. ففرنسا لا يبدو أنها اقتنعت أنها انهزمت في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وبما أن المخطط المغربي يبعد هذه الدول عن فلك روسيا فهو يقرّبها، بديهيا، من فرنسا والغرب عموما، وتتضاعف فرضية مشاركة أو مباركة فرنسا له إذا كان موجها ضد الجزائر.
السيد حمدي يحظيه
كاتب من الصحراء الغربية

يرجى تسجيل تعليقات ذات قيمة حتى يمكن ادراجها في الموقع الإبتساماتإخفاء