أفكار جديدة في مخيم قديم( قصة قصيرة)


Resultado de imagen de bandera saharaui campamentos refugiados حين كنا نرفع العلم ذات يوم في قلب المخيم، قال محمود، أحد شبابنا المتعلمالخريج حديثا، لمسئول المخيم بصوت مرتفع:- "إذا أشرفت مرة أخرى على رفع العلم فانظر إلى المثلث الأحمر في العلم ولا تنظر إلى الخلف."
وبسبب أن الشاب تكلم بصوت مرتفع فيه تحدي صارخ، فقد ثار غضب المسئول.. تكهرب جسده وبدأ يرتجف. أسرعت امرأة أمام الجميع ورشته بالماء، فهدأت الرعدة في جسده. قال حين برد دمه:-" إن هذا الشاب الذي يتحداني اليوم كان يلملم الحروف من بين شفتي، ولو لم أعلمه الكلام كان بقى اخرسا. أنا الذي بعثته إلى الخارج يدرس، وأنا الذي استقبلته ونظمت له احتفالا كبيرا بمناسبة تخرجه."
حين انصرفنا تحدث المخيم كله عن الواقعة. كانت الحادثة جديدة في حياة السكان. قال مسئول المخيم للسكان الذين تحلقوا حوله:-" لقد بدأ يرفع عينيه إلى وجهي وهي إشارة واضحة انه يتحداني.". تجرأ بعض أقران الرجل وقال للسكان في اجتماع، إن الشاب أصيب بمرض التحدي.
شاع الخبر في المخيم وفاض إلى الخارج. أصبح الجميع يتتبع أخبار الشاب. قال والد الشاب، احد الشيوخ المتقاعدين: " إن ابني يخترع أفكارا لم اسمع بها في حياتي ويرى أشياء لا نراها."
أشاع بعض معاوني المسئول أن هذه ليست المرة الأولى التي يقوم فيها هذا الشاب بعمل مثل هذا؛ وأنه كان دائما يقول ما لا يقال في الاجتماعات، وكان ينتقد بطريقة صريحة لا مواربة فيها.
ذات يوم كنا نتدرب على المشي المنتظم في الصف. قام المدرب العسكري الذي كان يدربنا بتنحية الشاب من الصف الأول وعيَّن مكانه شابا آخر.. رفع الشاب إصبعه وتوعد أن يخرج عن الصف إذا تحرك خطوة واحدة وهو ليس في المقدمة. قال والده حين علم بالخبر وهو يزبد:- لقد خرج ابني عن صف سكان المخيم."
قالت بعض العريفات أنهن سمعنه يتوعد انه سيأتي ببيضة النسر من فوق أعلى صخرة في الجبل، وانه سيقبل الشمس ويعانق القمر وأن رأسه يغلى بأفكار لا عهد للمخيم بها.
مرة أخرى خطرت فكرة على رأس محمود في منتصف النهار. استغل فرصة نوم الشيخ الذي يحرس مبنى الإدارة؛ اتجه إلى جرس المخيم وضربه ضربات متتالية عنيفة حتى قال السكان، حبا منهم في المبالغة، إن بيوت الطوب تحركت، وان صفائح الزنك كادت تطير مع الرياح. اجتمع السكان بسرعة بعد سماعهم الجرس. قال له المسئول يعاتبه أمام الناس:-" لماذا تدق الجرس في وقت لا عمل فيه.؟
- قال هو بصوت مرتفع:- لقد أصبحت في سن تؤهلني أن أقوم بما يقوم به الرجال، ودَقُّ الجرس من أعمال الرجال في المخيم."
صمت السكان ينظرون إلى بعضهم بعضا والعرق يتقاطر من جباههم.
- قال الشاب مخاطبا السكان: لقد استدعيتكم كي أقول لكم أنني قررت أن ازرع النخيل بين الخيام ليمنع زحف الرمال.
مضت فترة صمت دون أن يتكلم احد بفعل الدهشة.
قال مسئول المخيم: :- النخيل لا ينبت في الرمال والصحارى والمنفى. آلا ترى أن الملح يقتل كل ما يحاول النبات هنا.؟
صفق السكان لكلمة الرجل. قالت إحدى العريفات بحماس:- حتى إذا كان النخيل ينبت في الرمل، أين ستجد الماء الذي تسقي به النخيل أم تنتظر مطر الصيف.
ضحك البعض إمعانا في السخرية من أفكاره. قال بعض الشباب: دعوا الشاب يعبر عن أفكاره. لماذا لا تتقبلوا أية فكرة جديدة.؟  لم يخجل الشاب ولم يغرق في العرق. عاد يقول متحديا الجميع:- سأنحت تمثالا تخليدا للشهداء. سأنحته من صخرة كبيرة وأضعه على المرتفع شرق المخيم، حتى إذا ما أشرقت الشمس صباحا تطل على نصب الشهداء قبل أن تشرق علينا إكراما لهم لأن الله فضلهم علينا.
-قال رجل: ما ذا سنفعل له إذا عدنا إلى الوطن.؟
- قال هو: نتعاون على حمله ونضعه في الشاحنات.
- قالت عريفة أخرى: نخاف أن ينكسر حين نحاول حمله، ويحزُ في نفوسنا أن نرى شيئا يرمز إلى الشهداء مكسورا.
قال المسئول: هذه ليست أفكارا.
قال الفتى موجها كلامه للمسئول: ألم تتمنى يوم وصولي أن تكون عندي أفكار نغير بها روتين حياة المخيم نحو الأفضل.
حين لم يجبه أحد أو يدخل معه في نقاش، انصرف غاضبا، وشق الصفوف واختفى في المخيم. قال السكان بعد ذلك انه ذهب يبحث عن صخرة، وانه مصمم على نحت التمثال أو تسلق الجبل بحثا عن بيضة النسر.
والحقيقة انه بدأ يجول المخيم يلتقي بالناس ويتحدث لهم عن أفكاره الجديدة. لم يصدق أحد ذلك. قالوا انه مصمم على نحت التمثال، وغرس النخيل في الرمل، والبحث عن بيضة النسر، وانه لن يتراجع عن أفكاره. أدعت امرأة تسكن عند طرف المخيم الشرقي أنها تسمع كل ليلة إنسانا ما يكسر الصخور بالقرب من المخيم، وانه هو لاشك. حتى أمه شاركت في الحديث عنه. قالت:" إن ابني يوهمني انه ينام على التاسعة، لكن ما أن يطفأ الضوء حتى يخرج متسللا ولا يعود إلاً مع الفجر مرهقا."

افتقدناه أياما لكنه عاد فجأة. حين كنا نتأهب لرفع العلم ذات يوم شاهدناه في الساحة. لمَّا اصطففنا لرفع العلم، شاهدنا يعود إلى مكانه في الصف. حين انصرفنا من الصف تحلقنا حوله. بدأنا نسأله عن أفكاره الجديدة. قال لنا: نسيت كل ما كنت أفكر فيه سابقا. الآن أفكر في أشياء جديدة نُغير بها الوضع نحو الأفضل..                                               

يرجى تسجيل تعليقات ذات قيمة حتى يمكن ادراجها في الموقع الإبتساماتإخفاء